اسماعيل بن محمد القونوي
204
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
على الإسلام وجه الاقتصار هو أن الإنسان فطر على استعداد قبول الحق قال المص في قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] أي الذين جعل اللّه لهم بالفطرة التي فطر الناس عليها « 1 » وجه الترديد هنا هو أن القوة الشهوانية والغضبية والوهمية لما كانت داعية إلى الشر كان الإنسان بواسطة تلك القوى مستعد لقبول الشر والضلال . قوله : ( وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ [ الشورى : 8 ] ) وهذا أبلغ من قوله : وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ يونس : 25 ] إذ الادخال في الرحمة يشعر استيعاب الرحمة إياه استيعاب الظرف المظروف ( بالهداية والحمل على الطاعة ) . قوله : ( أي ويدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه ) متعلق بقوله ويدعهم لكن الأولى في ضلاله إذ هو المقابل في لادخال الرحمة . قوله : ( ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد إذ الكلام في الإنذار ) ولعل تغيير المقابلة فإن الظاهر أن يقول ويدخل من يشاء في الضلال بعدم التوفيق والنصرة لكن عدل عنه إلى ما ذكر لإشعاره بأنهم ظالمون أنفسهم بصرف إرادتهم الجزئية إلى الشر والضلال فحرم عن رحمة الملك المتعال وأن ليس لهم خلاص من ذلك الضلال وما يترتب عليه من العقاب والاغلال وضلالهم وعذابهم علوم من اقتضاء النص والتعبير بالجملة الاسمية للدلالة على توغلهم في ذلك وامتناع النجاة فيما هنالك قوله إذ الكلام في الإنذار بقرينة ذكر « 2 » عقيب قوله : وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ [ الشورى : 7 ] الآية والمبالغة في الإنذار أبلغ ولذا لم يبالغ في الشق الأول مبالغة الشق الثاني ولم يسند صريحا اضلالهم هنا كما في موضع آخر حيث قال وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ لما مر من أن ضلالهم ودوام عذابهم من قوله : ولعل تغيير المقابلة للمبالغة في الوعيد يعني كان ظاهر النظم يقتضي أن يقال ويدخل من يشاء في الضلال بدل قوله وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ليقابل قوله يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ * لكن عدل عن مقتضى الظاهر إلى قوله : وَالظَّالِمُونَ [ الشورى : 8 ] الآية للمبالغة في الوعيد على رذيلة الظلم بأن الظالم ليس له ولي حميم ولا نصير ينقذه من بأس ذلك اليوم يدل على أن التغيير لقصد المبالغة في الوعيد أن الكلام في الإنذار فلكون المقام مقام الاهتمام بشأن الإنذار كان مقتضي الحال أن يبالغ فيه قوله جواب شرط محذوف قال الطيبي قضية الإضراب عن الكلام السابق تقتصي التعقيب فيدخل مدخول الفاء في حيز الإنكار كأنه قيل بل اتخذوا من دون اللّه أولياء عقيب العلم بأن ليس الولي إلا اللّه بدليل تعريف الخبر بالجنس الحقيقي وتوسيط ضمير الفصل المؤدي بالتخصيص وعطف وهو يحيي الموتى عليه .
--> ( 1 ) ويدل أيضا على تقدير الأول قوله تعالى : وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [ الأنعام : 35 ] وقوله تعالى : وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ [ النحل : 9 ] . ( 2 ) إشارة إلى أن تقدير الشرط مقتضى الفاء لكن الظاهر أنه علة للجزاء المحذوف القائمة مقامه كما أشرنا إليه بقولنا فليجتهدوا في اتخاذه وليا فإن اللّه هو الولي فقط لا غير .